أنت هنا

من ذكريات الماضي الجميل حبيب الهرمزي

من ذكريات الماضي الجميل
حبيب الهرمزي
الحلقة الأولى
تظاهرة طلابية في عام 1947

كنت آنذاك في الرابعة عشرة من عمري، وكنت طالبا في الصف الثاني المتوسط بالمدرسة الثانوية الوحيدة التي كانت موجودة انذاك في مدينتي كركوك ، وكان جل الطلاب من التركمان من اهالي كركوك والمناطق التركمانية المجاورة لها، ولم يكن هناك الا عدد قليل من الطلاب العرب او الكرد قد لا يزيدون على عدد اصابع اليدين. وفي احد ايام الربيع من ذلك العام اخبرني من هم اكبر مني في العمر من الطلاب بوجوب الالتحاق بركب من طلاب المدرسة سيقومون بتنظيم مظاهرة ستبدأ من مقبرة المصلى في الصوب القديم من مدينة كركوك وستتجه الى الصوب الجديد من المدينة مرورا بالسوق الكبير. والحق انني كنت وجلا من هذا الحادث وما سيصاحبه او ما سينتج عنه، فلم نكن انذاك قد سمعنا بحدوث مظاهرة لطلب حق ما من السلطات. غير انني اطعت رأي من يكبرونني في العمر من الطلاب وتبعتهم الى حيث يحتشد الجميع قرب مقبرة المصلى. وعلمت هنالك ان المظاهرة تنظّم لتأييد ترشيح الاستاذ عزيز سامي وعدد آخر من المرشحين التركمان لعضوية مجلس النواب.
كانت انتخابات مجلس النواب انتخابات صورية، فقد كانت الحكومة تعد قوائم بمن (سيفوزون) في الانتخابات القادمة، وتأتي النتائج وفقا لذلك! وفي ذلك العام كان هناك عدد من التركمان ممن رشحوا انفسهم في تلك الانتخابات، وكان من بينهم الأستاذ عزيز سامي. غير ان الحكومة كانت ترغب في فرض من تراهم هي ليحتلوا مقاعد في مجلس النواب. وهنا تحركت الارادة الشعبية التي تمثلت في طلاب المدرسة الثانوية وفي عديد من الشباب والرجال الذين كانوا يرفضون مهزلة الانتخابات الصورية هذه في محاولة لتحقيق انتخابات حقيقية يفوز فيها من يرضى بهم المواطنون لا من تفرضهم الحكومة عليهم.
تجمع عدد كبير من الطلاب والاهالي في محلة المصلى وتحول الاجتماع الى مسيرة ضخمة سارت من مكان التجمع الى السوق الكبير عند مدخل قيصرية كركوك، يتقدمها طلاب يحملون لافتات مكتوبة عليها بالخط الكبير عبارات تأييدية للمرشحين التركمان. وساند اصحاب المهن المسيرة بغلق ابواب دكاكينهم، واستمرت المظاهرة في سيرها مخترقة السوق الكبير ومتجهة نحو مدخل الجسر الحجري القديم الذي كان يوصل قسمي المدينة ببعضها البعض، بين انظار اصحاب الدكاكين والمحلات التجارية على جانبي السوق الذين لم يكونوا يرون مشهدا مثل ذلك في الماضي القريب او البعيد. وعندما وصلت المسيرة نقطة الصفر من السوق جوبهنا بثلة كبيرة من افراد الشرطة المسلحين بالهراوات الخشبية التي تسمى في العراق ”الدونكي“ ويترأسهم ضباط شرطة ومدير شرطة كركوك، حيث كانوا يسدون الطريق عند ميدان الغلال. والظاهر ان الحكومة كانت مهتمة كثيرا بأمر هذه المظاهرة، فقد كان متصرف كركوك حاضرا شخصيا لمراقبة كيفية تفريق هذه المظاهرة الطلابية البريئة. واهتاج الطلاّب والأهالي لدى رؤيتهم قوات الشرطة التي تسد الطريق، وبدأت الهتافات لصالح المرشحين التركمان
وجّه مدير الشرطة كلامه الى المتظاهرين طالبا منهم التفرق وانهاء المظاهرة بسلام، والا فانهم سيجابهون بالقوة والعنف. وازاء اصرار الطلاب في الصفوف الأولى من المظاهرة على الاستمرار في التقدم، صرخ مدير الشرطة قائلا: سأعد من واحد الى ثلاثة، فان لم تتفرقوا سيتم تفريقكم بالقوة. وقد سمعت شخصيا هذا التهديد، حيث اني كنت في الصف الرابع او الخامس من صفوف المظاهرة. وصرخ مدير الشرطة : واحد ... اثنان... ثلاثة. وما هي الا لحظات حتى بدأت الهراوات بعدها تنهال على الصفوف الأولى من المظاهرة التي جرح فيها من نال نصيبه من الهراوات بجروح بليغة ووقع البعض على الأرض، وتراجع الجمع مهرولا نحو الخلف. ونال الطالب عوني بلال الذي كان في المقدمة يحاول التقاط صور للمظاهرة بكاميرا يحملها في يديه، نال اعنف الضربات، وقامت الشرطة بكسر الكاميرا بالهراوات، واضطر المتظاهرون ازاء هذا العنف الى التفرق. واذكر انني وقعت على الآرض بسبب التدافع والازدحام الشديد وانشق بنطلوني من الركبة، واخفيت السبب عن أهلي خوفا من غضبهم!.
وبغض النظر عن دوافع المظاهرة ومن كان مدبروها ومنظموها ومنفذوها، فقد احدث معاملة الطلاب الشباب بهذه الصورة من العنف والقسوة رد فعل عنيف واستياء كبير لدى اهالي المدينة، وكان ذلك مدعاة لترضيتهم من قبل السلطات في بغداد والتي قامت بتعيين أحد رجالات التركمان رئيسا لبلدية كركوك وهو المرحوم (شامل اليعقوبي).
اضراب الطلبة ضد مدرس اللغة الأنكليزية!
كان الاستاذ «عزيز صبّور» يقوم بتدريس مادة اللغة الانكليزية لصفنا عندما كنا طلابا في الصف الرابع الأدبي من ثانوية كركوك عام 1949. وكان مدرسنا هذا دمث الأخلاق، متواضعا، وشديد الحرص على استفادة طلابه من الدرس. غير ان الطلاب لم يكونوا راضين عن تدريسه مطلقا. وكان للطلاب مطلب آخر من الإدارة، وهو فتح شعبة ثانية للصف بسبب كثرة عدد االطلاب وازدحام الصف بما لا يدع مجالا لفهم واستيعاب الدروس. واشتكى الطلاب مرات عديدة الى مدير المدرسة الذي كان الاستاذ (حسين سعيد) على ما أتذكر. غير ان الإدارة لم تستطع تلبية رغبة الطلاب لعدم وجود مدرس آخر يمكن ان ّ محل الاستاذ عزيز صبور، مثلما كان يتعذر تخصيص صف آخر ومدرسين للشعبة التي كنا نطالب بفتحها.
وفي اليوم الثالث عشر من كانون الثاني/ يناير من ذلك العام، قرر الطلاب الإضراب وعدم دخول حصة اللغة الإنكليزية اطلاقا. غير اننا – نحن طلبة الصف – لم نكتف بذلك، بل عمدنا الى ترك المدرسة بالكامل وتوجهنا الى البراري خارج مدينة كركوك لنتظاهر هناك ضد مدرس اللغة الإنكليزية عزيز صبور! واستغرق تواجدنا في خارج البلدة اكثر من اربع او خمس ساعات كان الزملاء يهتفون خلالها بهتافات معادية للمدرس دون ان يسمعنا أحد لكوننا في منطقة غير مأهولة وخالية من اي انسان! ثم انشغل الزملاء بالغناء ّ والتصفيق وانشاد الأغاني والبستات التركمانية، الى ان بحّ صوتنا واصابنا الملل والإعياء، فرجعنا الى المدرسة وكأن شيئا لم يحدث. غير ان ادارة المدرسة لم تكن على نفس الرأي، فقد اعتبرت تصرف الطلاب خرقا للإنضباط وتحديا لإدارة المدرسة لتركهم المدرسة بصورة جماعية بتاريخ 13 كانون الثاني لعام 1949. وربما خمّنت الإدارة ان وراء ذلك دوافع سياسية! وهكذا تم سوق جميع طلاب الصف البالغ عددهم 22 طالبا الى لجنة الانضباط وتم توجيه عقوبة التكدير العلني وخصم (15) درجة من السلوك الى جميع الطلبة المشاركين في الإضراب مع توجيه كتاب الى اولياء أمور الطلبة متضمنا الطلب منهم العمل على «تقويم» سلوك ابنائهم ولزوم حضورهم الى ادارة المدرسة شخصيا لتقديم تعهد خطي عن حسن سيرة ولدهم باطاعتهم الانظمة المدرسية في المستقبل» . وعاد الاستاذ عزيز صبور الى تدريسنا مادة اللغة الانكليزية وكأن شيئا لم يحدث لا من قبله ولا من قبلنا! وانتهت هذه الحركة الطلابية المرتجلة بالفشل الذريع الذي صاحبه الاحراج امام العائلة وسماع التقريع منها!
والطريف انني قرأت تعليقا على حادثة الإضراب هذه حرره الكاتب والصحفي عبد الأميرالمجر في احد المواقع الألكترونية بتاريخ 23 اغسطس من عام 2013 وبعنوان (في السياسة وما حولها : التظاهرات ... بين غياب الأستراتيجية والبحث عن أدوار) ، ويقول فيه الكاتب ما خلاصته: ( َيروي الصحفي العراقي التركماني الرائد، حبيب الهرمزي حكاية طريفة عن تظاهرة للطلبة التركمان في كركوك في العهد الملكي، وانهم، اي الطلبة التركمان، بقوا هناك اكثر من اربع ساعات، يهتفون ضد المدرس دون ان يسمعهم ّ احد، ثم انشغلوا بعد ذلك بالغناء والأناشيد والتصفيق الى ان بحت اصواتهم واصابهم الملل وعادوا الى المدرسة او الى بيوتهم وكأن شيئا لم يكن. !! الحكاية على طرافتها، تنطوي على بعد تعبيري مزدوج، يمكن قراءته بعيدا عن اهداف التظاهرة نفسها، اي قراءة الحمولة الوجدانية للطلبة وكيفية تصريفها، بعد ان ضاقت بهم السبل وهم يبحثون عمن يحقق لهم مطاليبهم، وهي تصلح ان تكون مقاربة لما نراه اليوم في تظاهرات بعض الشباب ضد الحكومة، وهم بذلك يشبهون الطلبة التركمان في تظاهرتهم المشار اليها، بعد ان ضاقت بهم السبل، ولم يسمع طلبهم احد في المدرسة، والذين استفرغوا حمولتهم العاطفية في براري كركوك، وعادوا الى المدرسة، بعد ان أعياهم الهتاف والغناء، من دون ان يسمعهم أحد)!

Yazar: 

حبيب الهرمزي