أنت هنا

قرأت لكم مقاتل من كركوك اوميد يشار

قرأت لكم

مقاتل من كركوك

اوميد يشار

مما لاشك فيه ان ذكر معركة(جناق قلعة) التي جرت احداثها في مضيق الدردنيل بين الجيش العثماني والقوات الأجنبية المعتدية،انما سجلت ملاحم بطولية لافراد الجيش العثماني والتي ادت الى اندحار القوات الغازية،بعد ان كان هدفها الوصول الى (استانبول) والهيمنة على الدولة العثمانية. ولاتزال الاماكن التي شهدت احداث هذه المعركة شاهدة على جوانب مضيئة من تلك الملاحم،وحسنا فعلت الجهات المختصة بالاهتمام المتزايد في الحفاظ على شواهد هذه الملاحم وقبور الشهداء الذين سقطوا دفاعا عن الوطن الحبيب،ومن زار المقبرة الرئيسة في (جناق قلعة) يرى شواهد القبور وقد دونت عليها الاسماء والاعمار والبلد الذي جاء منه الشهيد، وسيلاحظ ان الشهداء الذين رووا تراب الوطن العثماني بدمائهم،انهم جاؤوا من مدن متفرقة على امتداد الامبراطورية العثمانية،ومن بين هذه القبور يلاحظ وجود اسماء شهداء من كركوك ومدن اخرى في العراق .
وجناق قلعة مدينة تركية تقع على مضيق الدردنيل المحوري بين البحر الابيض المتوسط والبحر الاسود،ففي بداية العقد الثاني من القرن العشرين،وتحديدا في عام 1915 خلال الحرب العالمية الاولى عزمت بريطانيا وفرنسا واستراليا ونيوزلندا على شن حملة عسكرية سموها بحملة(غاليبولي) لاحتلال (استانبول)عاصمة الدولة العثمانية آنذاك،وبطلب روسي للزحف الى الشمال لمساندة روسيا ضد القوات الالمانية لتكبدها خسائر فادحة خلال الحرب ولان المنطقة ذات طابع جغرافي وعسكري واقتصادي،وبدأ التحالف بالتجهيز لهذه المعركة بالسفن والاساطيل التي تدمر كل من يقف في طريقها. وكان من المتوقع ان تكون المعركة سريعة وحاسمة حيث كان الجنود وضباط القوات الغازية يبعثون بالرسائل الى اهليهم يبشرونهم بالعودة وبالنصر الذي سوف يحققونه،ومن الجانب العثماني تم تحشيد كل الطاقات والقوات لتصدي الهجوم،لانه اذا سقطت استانبول فان الدولة العثمانية كلها تسقط،وتم تحشيد المدافع والجنود لاستقبال الملحمة التي سوف يتذكرها العالم ويسطرها التاريخ.
ووصلت الاساطيل الغازية الى مياه مضيق الدردنيل، ولجس نبض القوات العثمانية القت المدمرات بالقنابل على بعض النقاط العسكرية،فلم يتم الرد فزادت ثقة قوات التحالف بنفسها وظنوا ان الامر سيكون اسرع واسهل من المتوقع،وبعدها تحركت هذه القوات لشن الهجوم،ولكن حدث ما هو غير متوقع،فقد اصطدم الاسطول بحقل الغام مخفي بما تسبب بخسائر فادحة وبدأ التراجع لاتباع خطة بديلة،ومع ذلك فقد تعرضت بعض المواقع العثمانية الى نيران العدو،واستشهد العديد من القوات العثمانية. ومما يذكره التاريخ،ان العريف(سعيد تشابوك)خرج من بين الانقاض فوجد ان كل ما حوله قد دمر،فحمل قنبلة تزن(250)كيلو غرامعلى ظهره ووضعها في المدفعية وقام باطلاقها فاصابت احد اهم سفن التحالف مما رفع معنويات جنود الجيش العثماني،وانتهت المعركة بانتصار الجيش العثماني على قوات التحالف بقيادة الامبراطورية البريطانية وقتل من جانب التحالف ما يقارب(300 ) الف جندي واستشهد من الجانب العثماني ما يقارب(250) الف جندي.
ولاهمية معركة(جناق قلعة)، فقد كتب الكثير ونشر الكثير عنها،ولكن هذه الملحمة تبقى ميدانا خصبا للكتابة عنها، وسبق للاستاذ الباحث القدير (ارشد الهرمزي) ان نشر كتابا بعنوان(من كركوك الى جناق قلعة) وآخر بعنوان(من جناق قلعة الى كركوك) ونشرا باللغة التركية من قبل وقف كركوك في استانبول،اما اليوم فنتصفح كتابه المعنون ب( مقاتل من كركوك) باللغة العربية،من اصدارات وقف كركوك في استانبول.
وتبدأ رواية (مقاتل من كركوك)بكلمة لابد منها،ففي ستينيات القرن العشرين بدأ(خلوصي) وهو اسم مستعار ولاشك،يكتب في مجلة(قارداشق) التي كانت تصدر عن نادي الأخاء التركماني في بغداد،والتي ساهمت في نشر الوعي الثقافي والسياسي والادبي بين التركمان،وتخرج جيل من الشباب الذين امتهنوا الكتابة الابداعية،اجزاء من روايته الحزينة في حلقات تنشر في الاعداد التي تصدر شهريا،وفي الايام التي عاشتها مدينة كركوك،كما هي الحال في سائر المناطق التركمانية،اياما حزينة مليئة بالكآبة والحزن،ومع ذلك فان المواطنين أبوا ان يتركوا ترابهم وتأريخهم ومدنهم وقراهم ومآثر اجدادهم. ففي تلك الايام الملبدة بالغيوم،سأل المؤلف الفاضل والده المرحوم(عبد الجبار آغا الهرمزي)وهو من اعيان كركوك ومن الشخصيات الاجتماعية المعروفة في المدينة العريقة،وقد تجاوز الستين من عمره(لقد تم استدعاؤكم مع خالي الشهيد شوكت الهرمزي الى الجيش في خضم التعبئة العامة،وكنتم في مواقع مختلفة،واستشهد الخال في منطقة(باليكسير) وهي مدينة تركية مشهورة،ولكنكم عشتم مع بعض زملائكم مآسي الحرب واهواله،هل لكم ان تكتبوا لي نبذة عن اهم ماصادفتموه من وقائع؟
فينقل الوالد( رحمه الله )خلاصة ما شاهده في ثلاث صفحات،ويفكر المؤلف المبدع ان يقدم ذلك في قصة متكاملة للاجيال القادمة،مع تزيين القصة باحداث او وقائع عاشها المؤلف في تلك الحقبة الزمنية وان يحيطها بهالة من الخيال لكي تكتمل الصورة في ذهن القارئ للوصول الى الهدف الذي ترمي اليه القصة من فكرة الحفاظ على تربة الوطن والتمسك بها، وقد اثارت القصة اعجاب القراء آنذاك،وتصوروها نوعا من الذكريات الحقيقية، مع اضفاء شيء من الاثارة ومشاعر الشباب والتمسك بالمثل العليا والعلاقات الانسانية لكي تنضوي الى مدرسة القصص ذات الاهداف المعبرة،وكان الجزء الاول من الرواية عن الرحلة من (كركوك الى جناق قلعة). وتبدأ القصة باعلان النفير العام واستدعاء طلاب الصفوف المنتهية للالتحاق بالخدمة العسكرية،ويتحدث الراوي(خلوصي) عن رحلته من زميليه (سرمد وعطا)من مدينة كركوك الى استانبول مرورا بالتون كوبري واربيل ثم الموصل وحلب ومن هناك بالقطار الى استانبول،والمشاكل التي صادفوها اثناء هذه الرحلة الشاقة، واقامتهم في قصر (خوروز علي باشا)في منطقة(ارين كوي)وفترات التدريب التي مرت،وزيارة(انور باشا وزير الحربية في الدولة العثمانية) للجنود والشكوى التي تقدم بها احد المتدربين لعرض شكواه على الوزير،عن المعاملة التي يقاسونها من الضباط. وبالرغم من تعرض هذا الجندي الى مضايقات من الضباط، وتعرضه الى السجن فورا،الا ان امرا قد صدر بمعاملة المتدربين معاملة حسنة.
وانتهز الراوي(خلوصي) فرصة وجوده في استانبول لزيارة احد اقاربه، والحفاوة التي تلقاها في كل زيارة،وتعلق قلبه بابنة عمه(وقد تبين بعد معاناة عاطفية قاسية) انها ليست بنت عمه بل ربيبة البيت، وبالرغم من تفاني (خلوصي) للاقتران بها والسفر بها الى كركوك الا انها اعتذرت ورجت ان تكون الاقامة في استانبول،خشية تعرض(خلوصي) الى مضايقات من الاهل في كركوك،لأنه اقترن بربيبة وليست بنت عمه،فكان القدر قاسيا وفرق الزمان بينهما،بالرغم من تبادل الحب من الطرفين.
ويتحدث الراوي عن زياراته المتكررة لاحد ابناء كركوك من المقيمين في استانبول في مكتبه، والالتقاء بأهل مدينته المتواجدين هناك،ثم التحاقه بالفرقة العسكرية في (تكيرداغ) والتي كان قائدها(المقدم مصطفى كمال) وقد رآه (خلوصي) لاول مرة،ثم توجههم الى (آنا فارطلر)ويتحدث عن احداث معركة(جناق قلعة)حيث غمرت الاجواء رائحة البارود، وخيم على الجو منظر الدماء والموت،وكان من الممكن ان يتغير كل شئ،وان لاتشرق الشمس ثانية وتنشق الارض فتبتلع كل من يدب عليها،ولكن الجيش الباسل قد عقد العزم على الا يسمح لقدم العدو ان تطأ شبرا واحدا من الارض التي يدافع عنها،وكانت محاولات الانزال التي يقوم بها العدو تجهض بعزم لايلين،لقد كانت امسية صيف قائض الحرارة،وسوف لن تنسى معارك(اغسطس/اب)عام 1915 ،وفي وقت متأخر من نهار اليوم الثاني ظهرت في الجو اربع طائرات بريطانية،اغارت على وسط القرية مخلفة دمارا شاملا في الابنية المتواضعة،وفي صباح اليوم الثالث عادت الطائرات مغيرة كرة اخرى،ولكن هذه المرة،وعندما توسطت الطائرات القرية وبدأت التحليق من على منخفض،علا صوت العريف الطيار بنداء (الله اكبر)،ثم امر سماء القرية بالنيران،وتراجعت ثلاث طائرات بسرعة تاركة سماء القرية،اما الطائرة الرابعة،فقد اصيبت اصابة بالغة وبدات تتمايل في السماء وهوت على الارض والطيار فيها،واسرع العريف الطيار ومعاونوه وأخرجوا الضابط الطيار من مقصودرة الطائرة وحملوه بعيدا، وعند ذاك انفجرت الطائرة محدثة دويا ضخما وعلت النيران سماء القرية بلهب متصاعد ،ثم عم السكون.

و يتحدث الراوي عن تفاصيل الحرب والمعارك التي درات بين الجانبين،واصابته بجروح ونقله الى المستشفى في ضواحي استانبول، في الوقت الذي استشهد فيه زميله(سرمد) في ساحة الوغى.
وفي الجزء الثاني من الرواية المعنون ب(من جناق قلعة الى كركوك) يكمل الراوي حديث عن الايام التي قضاها في استانبول في مستشفى بقرية(ماكري)في ضواحي استانبول،وكانت قرية تتوسط حدائق غناء ويغلب عليها الخضار،وعلمت مؤخرا بان تلك المنطقة تسمى(باقر كوي) في استانول، وزيارة عائلة العم (نيازي له) في المستشفى،كما ان شخصا من كركوك كان يزوره يطلقون عليه( العريف الطيار) ولايعرف اسمه الحقيقي،وكل ما يعرفه انه قبل سنوات جاء الى استانبول و التحق بمركز التدريب العائد للقوات الجوية الذي قام بتأسيسه (محمود شوكت باشا) وكان رقيبا طيارا.
وبعد شفاء (الراوي) ارسل الى جبهة ادرنة.
وبعد انتهاء الحرب غادر استانبول متوجها الى(اورفة)ثم الى الجزيرة ومن ثم طريق العودة الى كركوك مرورا بالموصل واربيل. كما يتحدث(خلوصي) عن زيارته الى تركيا بعد سنوات،حيث زار فيها مقبرة قرية(آنا فارطالار)التي تضم قبر الصديق الشهيد(سرمد) ومقبرة (ادرنة قابي)لزيارة قبر(نيلوفر)حبيبته السابقة، وقراءة الفاتحة على روحيهما.
ثم يتحدث (خلوصي) عن زيارة(العريف الطيار) الى كركوك،ودعوته لزيارة(خير الله افندي) الذي تحدث عن نصب الحاكم البريطاني حاكما عسكريا لمنطقة كركوك المقدم(لونكريك) ثلاثة من اعوانه لمراقبة من يدخل الى البيت ومن يخرج،ثم تكلم عن المهام التي كلف بها (خلوصي) والعريف الطيار،للالتقاء ب(مصطفى افندي اليعقوبي) الذي تحدث عن كفاحنا في جناق قلعة،وتطرق الى ان البريطانيين قد دنسوا تراب بلدنا وعلينا ان نقاوم الاحتلال البريطاني بما نقدر عليه،ومن الاشخاص المعروفين الذين حضروا الاجتماع شخصيات من كركوكبينهم (سعد الله افندي المفتي) والذي اطلق سراحه توا من ثالث عملية اعتقال له،وذكر ان (سيد قادر ابن حسن آغا)من اشراف كفري كان معتقلا معه ايضا،واطلق سراحه في اليوم ذاته،ويتحدث (خلوصي)عن تنقلاته في ديار التركمان ولقاءاته مع المناضلين التركمان،ويذكر بعض الاسماء المعروفة في تاريخ النضال السياسي لتركمان العراق،للتنسيق في سبيل تحرير ديار التركمان من الغزاة البريطانيين، وسرد(خلوصي) الحركات والفعاليات التي قام بها التركمان اثناء احدث ثورة العشرين.
ومن يقرا هذا الكتاب يجد نفسا جديدة ومسحة عاطفية واستذكار بطولات الجيش العثماني في ملحمة (جناق قلعة)ومساهمات التركمان من كركوك في هذه الملحمة،ومن ثم مساهماتهم في ثورة العشرين ضد قوات الاحتلال البريطاني.
ان هذا الكتاب الذي بين أيدينا (مقاتل من كركوك) انما هو قصة مستلة من الواقع عن مساهمات التركمان من ابناء كركوك في معارك (جناق قلعة) والتضحيات التي قدموها،ثم مساهماتهم من خلال التنظيمات السرية في مقاومة الاحتلال البريطاني في مختلف المدن التركمانية،وقد كشف هذا الكتاب عن مقدرة ادبية فائقة للاستاذ ارشد الهرمزي،حيث استطاع باسلوبه الرشيق وعباراته المعبرة ،ان يسرد احداث القصة وتطوراتها، والمواقف العاطفية التي عاناها (خلوصي) من خلال عدم الاقتران بحبيبته،مفضلا العودة الى كركوك،لخدمة أبناء جلدته.

* * *
وحسنا فعلا الاستاذ الفاضل ارشد الهرمزي في ذكر السيرة الذاتية،التي تكشف عن مساهماته العلمية والادارية ونتاجاته الفكرية باللغات العربية والتركية والانكليزية،فقد تخرج في كلية الحقوق بجامعة بغداد عام 1964 وتخرج في معهد الادارة/التامين عام 1967 واجتاز امتحانات اللغة الالمانية في موروناو في المانيا عام 1969 وسبق له ان عمل اثناء دراسته الجامعية في القسم التركماني والقسم التركي باذاعة بغداد،واشترك في دورات الادارة والقيادة في العديد من مدن العالم وعمل في شركات تركية وعالمية كمدير عام ومدير تنفيذي وشارك في مؤتمرات والقى محاضرات في العديد من مدن العالم وانتخب امينا عاما لملتقى الحوار العربي ـ التركي في دورات متعددة،وكتب في مختلف الصحف والمجلات التركية والعربية،وله مؤلفات منشورة باللغات العربية والتركية والانكليزية اضافة الى ترجمته عددا من الكتب الى اللغة العربية.
ويقع الكتاب في (167) صفحة من القطع الصغير ومن اصدارات وقف كركوك في استانبول عام 2021.

Yazar: 

اوميد يشار